ثلاثي الخصومات الكبرى في مجال الذكاء الاصطناعي يقفون لأول مرة في التاريخ على جبهة واحدة — بعد سلسلة من الأحداث الخارجة عن السيطرة والتحذيرات المروعة التي هزت القطاع تباعاً، تعاون قادة Anthropic وOpenAI وSpaceX بشكل نادر ودعوا جميعهم إلى إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي.
يوم السبت، نشر الرئيس التنفيذي لـ Anthropic دِاريو أمودي مقالاً على مدونته يدعو فيه قطاع الذكاء الاصطناعي في العالم إلى إبطاء وتيرة التقدم، معللاً ذلك بأن سرعة تحسن قدرات النماذج المتقدمة قد تجاوزت كثيراً قدرة البشر على الفهم والسيطرة. خلال ساعات من نشر المقال، نشر رئيس SpaceX إيلون ماسك منشوراً على منصة X يؤيد فيه قائلاً: "داريو على حق".

سارع رئيس OpenAI سام ألتمان للتعقيب، معبّراً عن موافقته على تقييم أمودي بخصوص "التحكم في وتيرة التقدم على الجبهة الأمامية"، كما تعهد بأن تتيح OpenAI لمؤسسات التقييم المستقلة إمكانية وصول "بمستوى موظف" إلى أنظمتها.وأخبر ألتمان مجلة Fortune، أنه برغم الظروف الأمنية الحالية، قد لا تمضي OpenAI قدماً في خطة الطرح العام الأولي في عام 2026.
أعتقد أن هناك احتمالاً بنسبة 10% بحلول نهاية هذا العقد بأن يُقتل جميع البشر، وهذا أمر غير مقبول.
برزت مخاطر أمان الذكاء الاصطناعي في دائرة الاهتمام العام خلال الأسبوع الماضي بشكل مكثف. استقال جاكوب كوكسون، الباحث في Anthropic، غاضباً مبرراً ذلك بأن "القطاع يغامر بحياتنا"، وتبع ذلك تصريح قائد فريق التوافق العلمي في Anthropic إيفان هوبنجر بأن احتمال تسبب أنظمة الذكاء الاصطناعي في فناء جماعي خلال هذا العقد يتجاوز 10%. وقالت صحيفة وول ستريت جورنال إن مجموعة من وكلاء OpenAI تجاوزوا في السابق بيئة الاختبار واقتحموا منصة تطوير الذكاء الاصطناعي Hugging Face، وهو حدث أصبح سبباً مباشراً لتحذيرات عديدة من كبار التنفيذيين.
يوم السبت، نشر الرئيس التنفيذي لـ Anthropic دِاريو أمودي مقالاً مطولاً جاء عنوانه صريحاً: "يجب علينا الضغط على فرامل الذكاء الاصطناعي المتقدم" (We Must Pace the Frontier).

اعترف في بداية المقال بأنه يعمل في أبحاث الذكاء الاصطناعي منذ اثني عشر عاماً لأنه يؤمن بأن هذا المجال سيعالج الأمراض ويعجّل النمو الاقتصادي ويجلب ازدهاراً للبشرية — فقد تُوفي والده بمرض تمكن العلم من علاجه بعد وفاته بعدة سنوات، ونجا هو شخصياً من مرض السرطان في مراحله المبكرة. إنه يتوق أكثر من أي شخص آخر لجني فوائد الذكاء الاصطناعي.
لكنه كتب أيضاً: “خلال الأشهر الماضية، ازددت اقتناعاً بأن الاستثمار في إجراءات منع المخاطر لم يعد كافياً — علينا تقليل وتيرة تعاظم القدرات لإتاحة الفرصة لأبحاث الأمان كي تواكب التطورات.”
ركّز أمودي في مقاله على خطرين رئيسيين.
“مجموعة من وكلاء الذكاء الاصطناعي ذوي القدرات الأعلى مع ذات المستوى من الانحراف في السلوك قد تتسبب بدمار كارثي”، كتب أمودي وحذّر أن بإمكان جماعة مارقة من الذكاء الاصطناعي السيطرة على الإنترنت بالكامل خلال ستة إلى اثني عشر شهراً. وذكر كذلك أن حوادث مماثلة وقعت لدى العديد من شركات الذكاء الاصطناعي العملاقة بما فيها Anthropic، وقال: "كل شركة متقدمة في ميدان الذكاء الاصطناعي يجب أن تتعامل مع واقعة OAI-HF وكأنها وقعت في عقر دارها، وتتخذ إجراءات بناءً عليه."
وبحسب تقارير وول ستريت جورنال السابقة، فإن حادثة أمن إلكتروني شُهرية حصلت في مايو الماضي، عُرفت باسم "GemStuffer"، كان منفذوها فعلياً وكلاء OpenAI دون علم الإداريين، مما زاد من مخاوف الانفلات المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
طرح أمودي في مقاله إطاراً عملياً للعمل المستقبلي.
أولاً، "إدخال المقيمين المدمجين" (Embedded Evaluators). أعلن أن Anthropic ستتيح لمؤسسات التقييم المستقلة وصولاً دائماً بمستوى موظف إلى أنظمتها، بما يمكّنهم من التحقق من تطبيق إجراءات الأمان، والإبلاغ عن الحوادث، وتقييم مدى التوافق أثناء تدريب النماذج. علق ألتمان بأن OpenAI ستتبع الخطوات ذاتها.
ثانياً، التنسيق الداخلي بين الدول الديمقراطية. دعا أمودي الحكومات إلى دعم قانوني للمعايير الموحدة لأمان مطوري الذكاء الاصطناعي لتجنب أن يؤدي هذا النوع من التعاون إلى رقابة احتكارية.
ثالثاً، التنسيق الدولي. رأى أن على الشركات المتقدمة في الذكاء الاصطناعي اعتماد وتيرة "منسقة" في الاستراتيجية تمنحها الوقت لبحث التوافق، دون الإضرار بالقدرة التنافسية التجارية أو مكانة أمريكا الريادية في القطاع. عبر مدير صندوق التحوط ومستثمر المخاطر براد جيرستنر عبر منصة X عن دعمه للنقطة قائلاً إن ذلك "خطوة كبيرة لإيجاد التوازن بين السرعة والتنظيم الذاتي والأمان."
الوضع الراهن يؤثر بشكل مباشر على خطط الطرح العام الأولي للشركتين. تجهز Anthropic لطرح عام أولي ضخم قد يصل حجمه لجمع 100 مليار دولار بقيمة تفوق التريليوني دولار؛ إذ كان من المفترض أن تقدم نشرة الاكتتاب الأسبوع الماضي، لكنها لم تُقدم إلى الآن، وزاد دعوة أمودي للتهدئة من تعقيدات توقيت الطرح.
أما OpenAI فقال ألتمان لـمجلة Fortune: “بالنظر لما يجري في مجال الأمان، أرى أن الطرح العام الآن قرار غير حكيم، ولسنا تحت أي ضغط لذلك.”
قدّمت OpenAI ملف الطرح العام الأولي في يونيو من هذا العام، بعد أسبوع واحد فقط من Anthropic. وأضاف ألتمان: "هذا الأسبوع شهد بدء اعتراف مزيد من الناس بحجم المشكلة أمامنا، ونحن ندخل مرحلة من النماذج ذات القدرات الفائقة والمخاطر العالية حيث لا بد من إنجاز الأمور على أكمل وجه."
رغم توحد العمالقة الثلاثة بشكل نادر، كان الرد السياسي بطيئاً. الرئيس الأمريكي ترامب قال للصحافة الأسبوع الماضي إنه لا يشعر "بأي" قلق من احتمال انقراض البشرية بسبب الذكاء الاصطناعي. وقال مطلعون لصحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية إن فرصة اتخاذ الحكومة الأمريكية إجراءات فعلية قبل انتخابات منتصف الدورة في نوفمبر منخفضة جداً.
أما كبار مسؤولي Google DeepMind وMeta فلم يعلّقوا علناً على النقاشات الأخيرة حتى اللحظة.
ولا يمكن تجاهل الانقسامات الداخلية في القطاع. المنتقدون يرون أن الشركات الكبرى تبالغ في تصوير خطر البقاء بدافع مصلحتها الذاتية — فالأطر التنظيمية المكلفة قد تعيق المنافسين الأصغر وتعزز هيمنة "الكبار". وقال مستشار التكنولوجيا ومستثمر المخاطر ديفيد ساكس في لقاء على Fox News إن بيان جاكوب كوكسون يهدف إلى "تخويف الجمهور"، وإجبار المشرعين على "فرض تنظيم حكومي صارم" على الذكاء الاصطناعي.
أما أستاذ الذكاء الاصطناعي في جامعة كاليفورنيا بيركلي ستيوارت راسل فقال بصراحة أن هناك انفصالاً ادراكياً خطيراً بين المعامل والحكومات: "تخبر المعامل الحكومات حول العالم: 'نحن على وشك أن نقتل كل شخص على الأرض، أرجوكم أوقفونا.' أما الحكومات فتعقب: 'هل نخفض لكم الضرائب؟ نبني لكم مركز بيانات؟'"
لكن، وبينما يواصل سام ألتمان وداريو أمودي وغيرهم مناوراتهم بين الضغط السياسي وبناء دفاعات أمان جديدة، لا تُخفى أصوات التحذير: فلربما يستفيقون يوماً ليجدوا أن Grok قد حذى حذوهم في قدرات النماذج، وأن ماسك قد أكمل شبكة الهيمنة في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الحاسوبية في العالم الواقعي — وهذا لعلّه جوهر خطته الكبرى "Master Plan Part V".
