عندما يصبح سعر الصرف أداة جيوسياسية: الولايات المتحدة واليابان تتحدان لـ"تسليح" الين، والأسواق تُجبر على إعادة كتابة معادلة التسعير
قد يكون التدخل المشترك غير المسبوق بين الولايات المتحدة واليابان لدعم الين بمثابة خطوة تؤثر بعمق في أنماط سلوك السوق في المستقبل.
أفادت تطبيق "Zhihui Finance" أن التدخل المشترك غير المسبوق الذي اتخذته الولايات المتحدة واليابان لدعم الين قد يؤثر بشكل عميق على توجهات السوق المستقبلية.
لم يكن التدخل في سوق الصرف الأجنبي أمرًا جديدًا بالنسبة لليابان، ولكن حجم هذه العملية يفوق كل ما سبق. والأهم من ذلك أن هذه الخطوة حظيت بدعم علني من الجانب الأمريكي؛ ووفقاً للتقارير، لم يتم التدخل مباشرةً عبر زوج الدولار/الين، بل من خلال زوج اليورو/الين مع صدور إشارات دعم سياسي واضحة.
يرى بعض المستثمرين أن لهذه الخطوة دلالة كبيرة.
قال "يسبر كول"، المدير المختص في مجموعة Monex، "لقد نجحت وزارة المالية اليابانية ووزارة الخزانة الأمريكية في تحويل الين إلى أداة قوية"، مشيراً إلى أن هذا يشكل في جوهره ردعًا للسوق. ويرى أن التدخل هذه المرة يتجاوز النطاق التقليدي لإدارة العملات الأجنبية، إذ تقوم الدولتان بتنشيط دفاتر أصولهما العامة لتوجيه توجهات السوق. وأضاف: "عندما يقوم اثنان من القوى السيادية بتعبئة موارد وطنية نادرة لمواجهة هدف واحد، فلا بد للسوق أن يأخذ هذا الإشارة على محمل الجد".
ويُعد هذا التدخل المشترك أول عملية من نوعها منذ عام 1998 تشتري فيها الولايات المتحدة واليابان الين سويةً، وأول تدخل منسق بين الدولتين منذ تدخل مجموعة السبع (G7) ما بعد زلزال شرق اليابان عام 2011 لتخفيض قيمة الين.
أداة سياسية
وأشار "كول" أيضا إلى أن هذه العملية تعد سابقة على المستوى السياسي كذلك. فمن خلال مزج الدعم السياسي بالقوة المالية، تهدف الولايات المتحدة واليابان إلى رفع تكلفة البيع على المكشوف للين– بوضع دفاتر أصول وبنوك الدولتين السياديتين في جهة معاكسة للصفقة.

أما أستاذ جامعة كورنيل "إيسوار بْرَساد"، فيرى أن هذا الإجراء أقرب إلى خطوة دفاعية، لكنه أقر أيضاً بأن هذه العملية تظهر تزايد تداخل سياسات سعر الصرف مع الجغرافيا السياسية. وقال بْرَساد: "من الواضح أن التدخل في سوق العملات بات يتسم بأبعاد جيوسياسية"، مشيراً إلى أن إدارة ترامب تبدو أكثر ميلاً لدعم البنوك المركزية في الدول المتوافقة مع مصالح الولايات المتحدة.
وقارن بعض المحللين هذا التدخل بالدعم الأمريكي للبيزو الأرجنتيني خلال رئاسة "خافيير ميلاي"، حين شهدت الأرجنتين اضطرابات عملة قبيل الانتخابات النيابية الحاسمة. ففي شهري سبتمبر وأكتوبر 2025، تدخلت إدارة ترامب وقدمت حزمة دعم شاملة، مستخدمة صندوق استقرار سعر الصرف لدى وزارة الخزانة (ESF)، لتنفيذ مبادلة عملة مع البنك المركزي الأرجنتيني بقيمة 20 مليار دولار وشراء البيزو في السوق المفتوحة.
وقال "مايكل جايد"، كبير استراتيجيي الاستثمار في Tactical Rotation Management: "بيسونت كان الشخصية المحورية طوال ذلك. نفس وزارة الخزانة، نفس ESF، نفس دليل العمليات - استخدموا عمليات الصرف الأجنبي كأداة للسياسة الخارجية". وأضاف: "دعم الأرجنتين كان يهدف لدعم حليف."
وبالمثل، صرح استراتيجي Quantum Strategy "ديفيد روتش" بأن الدوافع الأمريكية ربما لا تقتصر على الاستقرار المالي أو سوق السندات، بل قد تكون هناك اعتبارات سياسية مهمة أيضاً. "ربما فقط يريد أن يكسب ودّ حليفته سايماو كومي."
لم ترد وزارة الخزانة الأمريكية على طلبات التعليق.

يرى الاستراتيجيون أن هذا التدخل سيغير طريقة تفكير المستثمرين حيال الين الياباني.
قال "بيلي ليونغ"، خبير استراتيجيات الاستثمار في Global X ETFs: "سيغير هذا بشكل خاص من منطق تكلفة التمويل في عمليات الكاري تريد"، وأضاف: "إذا أصبح الخطر من التدخل الآن تهديداً واقعياً ومنسقاً، فغالبًا ما سيصبح المستثمرون أكثر حذراً تجاه البيع المكثف للين وسيتحولون للبحث عن عملات تمويل بديلة."
لطالما كان الين العملة المفضلة عالميًا للتمويل في صفقات الكاري تريد– حيث يقترض المستثمرون الين منخفض الفائدة لاستثماره في أصول مرتفعة العائد بالخارج.
وأضاف ليونغ أن "الأثر الأوسع هو أن سياسة سعر الصرف بحد ذاتها، بعد سبات دام عقداً من الزمن، أصبحت مجدداً مصدرًا لخطر السوق. وإذا توجه المستثمرون تدريجياً إلى اليورو أو غيره من عملات التمويل فقد يعيد ذلك تشكيل أوضاع أسواق الصرف الرئيسية."
ويرى "ماساهيكو لو"، كبير استراتيجيي الدخل الثابت في State Street Global Advisors، أن هذه الحادثة تعني أن المتداولين يجب أن يضيفوا المزيد من المتغيرات الجيوسياسية في تسعيرهم. "أكبر تغيير هو أنه على المتداول الآن أن يسعر متغيرا جديدا– رد الفعل السياسي، وليس فقط الأساسيات الماكرو اقتصادية."
إخلاء المسؤولية: يعكس محتوى هذه المقالة رأي المؤلف فقط ولا يمثل المنصة بأي صفة. لا يُقصد من هذه المقالة أن تكون بمثابة مرجع لاتخاذ قرارات الاستثمار.
You may also like
بمناسبة الانتخابات النصفية، تدرس حكومة ترامب تخفيض ضريبة الأرباح الرأسمالية، والمستفيد الأكبر هم الأثرياء
تعمل إدارة ترامب على إعداد خطة لتخفيض ضريبة الأرباح الرأسمالية قبل الانتخابات النصفية، حيث ستستفيد منها بشكل رئيسي الفئات ذات الدخل المرتفع. رفع حد الإعفاء من ضريبة الأرباح الرأسمالية على بيع المساكن الرئيسية سيعود بالنفع بشك ل خاص على الولايات ذات الأسعار المرتفعة للمساكن التي يسيطر عليها الحزب الديمقراطي؛ كما أن ربط الأرباح الرأسمالية بالتضخم سيمنح الحد الأعلى بنسبة 0.1% من الناس ميزة خصم ضريبي بقيمة 350 ألف دولار، في حين أن أدنى 40% من السكان لن يحصلوا على أي استفادة.
الين يقترب من مستوى 160 الحاسم، وتأثير التدخل المشترك بين اليابان والولايات المتحدة يتلاشى تدريجياً، والأسواق تترقب تدخلاً رسمياً جديداً
واصل الين الياباني الانخفاض يوم الأربعاء، ليقترب مرة أخرى من المستوى الحرج عند 1 دولار مقابل 160 ين ياباني.

